السيد محمد الصدر

177

منة المنان في الدفاع عن القرآن

من النار ، ولكن بعد التقليل يدخله بالدرك الرابع من النار ، فهذا فضلٌ منه تعالى ورحمةٌ . وهو بهذا المعنى يرحم الجميع على الإطلاق ؛ لأنَّ رحمته وسعت كلّ شيء ، حتّى في داخل جهنّم . وكذلك الكلام في قوله تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ « 1 » ؛ إذ لو لم يكن كذلك - أي : لو لم يكن معطى أقلّ من استحقاقه ومشمولًا للرحمة بهذا المعنى الدقّي - لما كان عزيزاً ولا كريماً . * * * * قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ : قد يُقال : إنَّ قوله : الَّذِينَ آمَنُوا يُجزي عن قوله : وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ؛ إذ مقتضى أنَّهم مؤمنون أنَّهم يعملون الصالحات ، وهذا مكرّرٌ في القرآن ، وربما عشرات المرّات ، وقد ذكرنا سبب ذلك في أبحاثٍ سابقةٍ ، ولا حاجة إلى تكراره . لكن يبقى في الآية الكريمة سؤالٌ : ما هو سبب الاستثناء في الآية الكريمة الذي ابتدأت به ؟ وهذا الاستثناء ليس اعتياديّاً ، والسيّد الطباطبائي ( قدس سره ) قد تنبّه له ، فقد ذكر ( قدس سره ) « 2 » : أنَّه استثناءٌ منقطعٌ ؛ لأنَّ المستثنى ليس من جنس المستثنى منه ؛ باعتبار أنَّه هناك كان يتكلّم عن الكفّار وأهل جهنّم ، وأنَّ لهم عذاباً أليماً ، بخلافه هنا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فاختلف المراد . ولكن بالإمكان تصوّر أُطروحاتٍ أُخر في المقام تفيد أنَّه استثناءٌ متّصلٌ :

--> ( 1 ) سورة الدخان ، الآية : 49 . ( 2 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 246 : 20 ، تفسير سورة الانشقاق .